الاحتقان الذي يسود الأسرة التعليمية في بلادنا وتوالي الاحتجاجات على النظام الأساسي الجديد للمهنة صار حديث الشارع؛ لأنه لا يهم موظفي التعليم بل يهم مئات الآلاف من التلاميذ ومئات الآلاف من الآباء والأمهات أيضا؛ فهذا احتقان يتجاوز النطاق المهني إلى المجتمع بجميع فئاته.
لكن ما يحصل اليوم هو عنوان أزمة حقيقية تضاف إلى أزمات التعليم البنيوية التي أصبحت جزءا من تاريخ المغرب المعاصر؛ فقد انتقلت مقولة إصلاح التعليم من إصلاح المقررات والمناهج إلى إصلاح طاقم التدريس؛ وهذا يعني أن العبقرية وجدت أن المشكلة في البشر لا في المناهج.
لا يمكن أن يكون هؤلاء المئات من الآلاف الذين خرجوا للاحتجاج على خطأ؛ إلا أن يكون هناك ضرر يشملهم؛ فهم يشكون من أن القانون الجديد غيب التحفيزات المادية والمهنية وضخم من العقوبات وأثقل رجل التعليم بالمهام والمسؤوليات دون حتى أن تكون هناك تحفيزات؛ وفي ظل هذا الوضع لا يمكن توقع الإنتاجية؛ لأن هذا الوضع يؤدي إلى الإحباط.
أزمة التعليم معروفة وليست جديدة؛ وهي من الأزمات القليلة التي لا زال الخلف يرثها عن السلف منذ عقود؛ ولن يتم إصلاح التعليم بالسياسة الأمنية التي تجعل رجل التعليم مدانا ويجب زجره؛ لأن رجل التعليم الذي يستحق العقاب لا يستحق أن يكون في المهنة أصلا. فالتعليم رسالة أولا؛ والرسالة يجب أن تمنح لشخص يشعر بأنه مكرم وأن حقوقه محفوظة.
الدولة زادت في رواتب وتحفيزات رجال التعليم الجامعي؛ ولكن التعليم الجامعي في المغرب أصبح معروفا للجميع؛ لأن الجامعة لم تعد فضاء للعلم والبحث العلمي؛ وما يبذله رجل التعليم في الابتدائي والإعدادي والثانوي يفوق بكثير ما يبذله موظف التعليم الجامعي؛ لا من حيث الجهد ولا من حيث الزمن؛ ومع ذلك فهذه الفئة متضررة أكثر؛ وإذا كانت النجاعة والإنتاجية هما المقياس فإن الإنتاجية لدى رجل التعليم في الأسلاك غير الجامعية عالية جدا مقارنة بالجامعة في حالة المغرب في الوضع الراهن. وفي عدد من الدول المتقدمة تعطى الأهمية للتعليم الابتدائي والإعدادي لأنهما الأساس ولأن رجل التعليم في هذه المستويات ليس مدرسا فحسب بل مرب أيضا. ويكفي أن نرى أن الفضائح التي تنشرها الصحافة ويصل بعضها إلى القضاء كالابتزاز الجنسي والرشوة والفساد الأخلاقي هي فضائح توجد في الجامعة لا في المدرسة؛ فإذا وضعنا هذه الفضائح إلى جانب غياب البحث العلمي وضعف الأداء حق لنا التساؤل الذي يعرف جوابه الجميع.
الدكتور إدريس الكنبوري

تعليقات
إرسال تعليق
شاركنا رأيك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.